الأحد، 5 يونيو 2011

حب الوطن يخلد كل حب // منير مزيد

حب الوطن يخلد كل حب
بقلم : الشاعر والباحث منير مزيد

اختلفت أغراض الشعر وتعددت مدراسه ومذاهبه إلا أن الشعراء باختلاف مشاربهم وافكارهم وطروحاتهم وتطلعاتهم أجمعوا على شيء واحد هو الوطن وحب الوطن ، فكان الحنين إلى الأوطان وذكر الديار قاسماً مشتركاً بين الشعراء والأدباء . والشعر العربي حافل بقصائد عديدة تغزلت عبر أبياتها الشعرية بحب الوطن والحنين إلى الديار والأرض فيندر أن نجد قصيدة عربية إلاّ وبها حنين إلى الوطن حتى احتل الوطن الجزء الأكبر من قصائد الشعراء مقارنة بقصائد الحب والغزل .
قال الجاحظ في رسالة الحنين إلى الأوطان: كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملا وعفرا تستنشقه.
والوطن في اللغة العربية كما جاء في لسان العرب: هو المنزل الذي يمثل موطن الإنسان ومحله، ووطن المكان وأوطن أقام متخذا إياه محلا وسكنا يقيم فيه ، فالوطن هو المكان الذي ارتبط به الإنسان، فهو مسقط الرأس، ومستقر الحياة، وسكنه روحاً وجسداً، وهام به حباً وحنيناً، فحب الوطن والالتصاق به وحب البقاء فيه من الأمور الفطرية لدى الإنسان.
من يقرأ شعر حسن حجازي قراءة عابرة يظنه بسيطا، وسبب ذلك سلاسة التعابير، ورقة المفرادت الشعرية التي يستخدمها الشاعر، بالإضافة إلى دقة التصوير والبعد عن التعقيد ، ومألوفية كثير من العناصر التي تشكل قصائده وأبيات شعره،فهي تخاطب عاطفة ومشاعر وأحاسيس القارئ والمستمع ، معتمدا على الايقاع الحركي للمفردات المشحونة بالغضب والشجب حيانا ، وبالسخرية حيانا آخر والتي تخلقها الفكرة في محاولتها للتأثير على المسارات الاجتماعية . أما الموضوعات التي يتناولها شاعرنا كثيرة جدا بحيث يصعب حصرها، إلا أن شاعرنا في مجموعته الشعرية "فى انتظار الفجر " قد أختار أن يكون صوت الشعب حاملا هموم الوطن والمواطن دون إغفال أهم القضايا التي تواجه الإنسان العربي والتي شكلت هما من الهموم القومية فاثارت قريحته الشعرية ، فكانت قضية فلسطين والعراق وهموم الوحدة العربية حاضرة في مجموعته .
يصوغ حسن حجازي شعره من الواقع العربي الراهن المليء بالقهر والجراح عندما يتوحد عنده الألم بين الأقصى والمواطن الفلسطيني والطفل الفلسطيني ويبكي ما وصلنا إليه :
اليومَ نهارى حزين
شجرُ الزيتون ِ حزين
ولدى يفترشُ الأرض َ
يسأل ُ عن شجر ِ الياسمين
اغتالته ُ ايدي الغاصبين
إلى أن يقول :
لم يعد بالبيت ِ طحين
والحليب لأطفالي الجوعى
جف من ضرع السنين
وأمتي في سباتِ
تشجب وتسب وتدين !
أما الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا الوضع المأساوي وحالة العجز والتردي : محاربة الإبداع وقتل المواهب وتفشي ظاهرة النفاق في قصيدته دوماً أنت ِ بقلبي :
فى بلاد ٍ
تأكل ُ فيها الكلابَُ المواهب
تجيد ُ الرقصَ على الموائد
ومغازلة َ السلطان
فى بلاد ٍ
تجيد ُ نسجَ الأكفان
تجيد ُ تسفيه َ الأحلام
لو بقيت لنا أحلام
وتغليب المصالح الفردية على حساب المصلحة الوطنية العليا والإستهتار بحياة وتاريخ ونضال وتضحية الشعب ، مستخدما نضال الشعب الفلسطيني كرمز لنضال الشعوب في قصيدته نريد ُ فلسطين عندما يقول :
ماذا تقول يا أبا عباس ؟
وأنتَ أيضاً يا أبا هنية ؟
ماذا تقولان
لدماء ِ الشهداء
لأصحاب ِ القضية
لأطفال ِ الحجارة
لأصل ِ الحضارة ؟
ويرثي حالنا بحزن سوداوي بلغة " أنا الذاتية " والتي تمثل حالة اللاشعور الفردي والذي هو جماع مكتسبات الإنسان خلال حياته كفرد. فاللاشعور الفردي يحفز عمليات استبصار الذات الغريزية عند مستوى الهو لكي يتم تصوير العملية الأولية باعتبارها عملية لاشعوريه تجهل أو ربما تتجاهل حدود الزمن والمكان مستشعرة بمبدأ اللذة والألم فتندفع من خلالها " أنا الذاتية " الموجودة ضمنا تجاه اللذة وتتباعد عن الألم بالتفريغ عن طريق تكوين صورة شعرية ينتظربها فجر قد لا يأت في قصيدته في انتظار الفجر :
فانتحرَ طيري الأخضر
واسودت فى عيني الشمس
بين َ سكون ِ الرمز
تحت َ نيران ِ العجز
من خيول ِ الفُجَاءة
لمَا عادت بغير بشارة
تجعلني أنتظر ُ الغد !
والإفلات والهروب من الواقع والتمرد عليه واللجؤ إلى البحث عن امل أو فجر جديد حتى لا تنتهي الرغبة غير المشبعة إلى الاحباط
ويسكن ُ فى القلب ِ الهَم
إلى أن يأتي اليوم
المتمم َ لذكرى النصر
لينهي أياماً للذل
إلى يأتي هذا اليوم
سأكتبُ فى عينيك ِ
أحلى أبياتِ الشعر
لكن هل يشرق ُ علينا الفجر ؟!
حتما ً سيشرق ُ علينا
ألف ُ فجر ٍ وفجر!!
فالوطن يستمد قوته بابنائه الأوفياء الذين يبذلون لأجله الغالي والنفيس وهانت عليهم ارواحهم فداءا لوطنهم وذودا عنه في لذة وإقدام وبالتالي هذا هو التعبير الصادق عن حب الوطن ليس بالكلام والخطابات الجوفاء وذلك في قصيدة الشهداء :
هم زرعوا
فى الدربِ الورد ,
هم غرسوا
في الظلمة الغد
هم ضحوا
بأماني العمر ,
هم ذهبوا
لنبقى نحن !
ويبقى الهم الوطنى بلده مصر نراه يناجيها يداعبها يلاطفها وأحيانا يسخط عليها ويتمرد عليها
فمصر تتمثل لحسن حجازي الأم والزوجة والأبنة والحبيبة والرفيقة حين يقول لها في قصيدة تحذير :
عودي بالإلهام ِ
يا حسناء الزمان ِ
عودي بالحلم ِ الأخضر
بالقمح ِ الأصفر
بحلم ِ الأشقياء !
لحد علمي القصيدة مكتوبة من الثمانينات كأنه يتنبأ بما يحد الآن بضمير الأبن , بضمير الشاعر, بما تشهده الساحة المصرية والعربية الآن من مشاكل حياتية صعبة تمس المواطن البسيط , فنجده يقول في نفس القصيدة :
حتى الآن
لستُ منك ِ ولستِ مني
فنحنُ في الحبِ غريمان
نتلهى بالأيام
نتسممُ بالأوهام
فى دوران الساعات
فى انتحار الأمسيات
بغير لقاء
" بعد العودة " نراه مهموما بالمشاكل اليومية للمواطن المصري البسيط حين يقول :
كنت ُ عزمت ُ أن أطوي السبع بحور
لآتيك ِ بسر الورد ِ المؤتلق ِ الحسن
لآتيك ِ باللؤلؤلةِ الأم
لتزينَ أجمل نحر
تحرس أغلى الثمرات
إن عمَ الليل
أو غدر الشط
كنت ُ عزمت ُ أن آتيكِ
بالأقمار السبعة المزروعة ِ ورد
أن آتيكِ ببقراتِ يوسف الِسمان
لترعى حقول الحنطة عند الشط
نعود هنا للحنطة للقمح للأيام العجاف التي ندعو الله أن يحفظ مصر منها على الدوام . إين يذهب لا مفر من الهجرة وصلبها بين دفاتر الذكريات كنوع من الهروب من الواقع المرير .
لكن حسن حجازي رغم قنوطه ويأسه يقرر أنه ثمة أمل في غد ٍ أفضل .
يتمتع حسن حجازي بحاسة رأئعة في توظيف التاريخ سواء الإنسانى عامة والعربي بصفة خاصة نجده يتقن المعارضة ولكن بشكل جديد يوظف ما يعرف بنظرية القناع ولك عند معارضته لنونية بن زيدون الشهيرة في قصيدته : أكانت تدري وأهداها لولادة بنت المستكفي
ولم يكتف بالأسم ولكن قام بتوظيف رأئع للدلالة للبكاء وفضح الحلم العربي الذي تعسر في ولادته وتأخر كثيراً :
أكانت تدري
أنى والشعرُ
وزمني المائج ُ
فى بحورِ التسكع ِ
أنى سأكتبُ عنها
أكانت تدري ؟!
أكانت تدري
والقَابلة ُ
ووِلادَة ُ مسخ ٍ أسود
يقتل ُ فى الرضيع ِ حلماً
كان َ سَيولَد
يحمل ُ معه ُ سيفاً للنصر ِ
أو للتذكار !
ثم حرفية الإقتباس والتوظيف الواعي للتراث الشعري :
أكانت تدري
وَلادَة ُ بنتُ المستكفي
وقد " أَضْحَى التَّنَائِي بَدِيْلاً مِنْ تَدانِيْنا "
أننا لأجلها عشقنا "لوركا "
وننتظر ُ معها حلماً عربيا ً
ويكمل مصراً على الأمل في الغد والتحدي ومراهناً على المستقبل :
يجمعُ شتات أمة صابرة
على شطِ النيل ِ
ما كانت أبداً صاغرة
وقد " جاوزَ الظالمونَ المدى "ِ
ولكن " سيشرق ُ الفجر ُ على أمة ٍ
لغير ِ وجه ِ الله لم تسجد ِ " !
ثم اللعب على الرمزية في قصيدة حورس بين الواقع والحلم
الي يندد فيها بالظلم الذي تعرض الله الإنسان المصرى من فجر التاريخ من بناء الإهرام للملوك لتوريد ما توجد به أرضه لسكان القصر ثم لحفر القناة.. قناة السويس بدمه وعرقه ..
ثم بعد تحرير سيناء وبزوغ نجم الإنفتاح الإقتصادي ومعاناة المواطب المصري البسيط وعبر القصيدة يرمز للحلم المصري حورس ..القصيدة كتبها حسن حجازى أوائل الثمانينات فكأنهُ مثل باقة الشباب المصري كانوا يراهنون على الزعيم محمد حسنى مبارك , وما زالوا , حيث عادت وقتها الأرض وبدأت مصر تجني ثمار النصر وعودة سيناء فربط بين مصر مبارك ومصر حورس في توظيف جيد للأسطورة المصرية فنجد " إيزيس " تجوب الوادي ..ونجد " ست " إله الشر ونجد " أوزوريس " ليربط فجأة بين الواقع المر في بداية الثمانينات ورجال الأعمال الذين تفنن بعضهم في كسب الأموال وامتصاص دم الشعب المصري الذي لم يكد يفيق من آثار الحرب التي تحملها فى شجاعة وصبر وإخلاص :
خمسة ُ آلاف ِ عام
بنيت ُ الأهرامَ على كتفى
حجراً حجرا
نحت ُ الصخر َ
قتلت ُ الصبر َ
تخطيت ُ المحال
عندما نجده يقول في مرارة :
صحا فينا " ست "
تشيعنا لعناتهُ لبحار ِ اليأس
فنُضل ُ الطريق
صحا فينا " ست "
مزقنا بربوع ِ الوادى
إربا ً إربا
ليعيد َ المأساة ويعيدَ الذل
و"إيزيس " ما زالت تجوب ُ الوادي
شبرا ً شبرا
تجمع ُ الأعضاءَ
عضوا ً عضوا
ما كحل َ عينيها اليأس ُ
وما توارى الأمل
وبعد هذا مرور عابر فى شعر حسن حجازي الذي أحسب أن ما اقدمه هنا هو بداية للغوص في خضم هذا العالم الشعري والصوت العربي الأصيل الذي أعتبره نموذجا َ للشاعر العربي الملتزم الواعي لواقع أمته وشعبه ودينه ..
منير مزيد –رومانيا – بوخاريست





في انتظار الفجر // د/ مصطفى عطية جمعة //حسن حجازي



الإحتماء بالهويةالحضارية ضد العجز والهوان
د/مصطفى عطية جمعة

" حسن حجازي " نموذج للمثقف الجاد ، الذي يعايش قضايا الوطن والأمة، مساهما بسبلٍ عدة في العمل الثقافي العام داخل مدينته الصغيرة أو في المحيط الثقافي الكبير ، رافداً الحياة الأدبية بمشاركاته الفاعلة ورعايته للموهوبين ، وبما يجود من إبداع شعري ونثري وترجمات ، تحمل تميزا في التشكيل الجمالي، ورؤية طامحة للتغيير .
إنه نموذج لكثير من المبدعين ، في بقاع الوطن، وأنحاء الأمة ، الذين تمسكوا بالعيش في الأقاليم ، بعيدا عن صخب العاصمة ، وأضواء الحياة الثقافية ، فقد آثر أن يعيش في بلدته الصغيرة " ههيا " في محافظة الشرقية بمصر، يساهم في زيادة الوعي عبر عمله في ميدان التعليم ، ساعيا إلى التواصل مع أدباء العرب في أنحاء العالم عبر " الإنترنت " ، فيستكمل منظومة حياته الأدبية والثقافية بشكل حيوي ، مثله مثل كثير من المبدعين فرقتهم البلاد ونأت بهم الأقاليم، ولكنهم غنموا من الشبكة العنكبوتية الكثير، فتواصلوا مع أبناء الأمة من بيوتهم ، واستطاعوا أن يكونوا حياة ثقافية في الفضاء الإلكتروني ، حياة أساسها التواصل شبه اليومي والاطلاع على الجديد ، حاولوا أن يعوضوا سلبيات الحياة الثقافية الرسمية والأهلية بما فيها من شللية ، ومجاملات ، ومقاعد خاوية في الندوات ، وأيضا تغلبوا على مشكلة النشر ، فخرج المبدع من حسابات النشر الورقي : من محدودية المساحة المتاحة للنشر ، وأهمية مجاملة الصحفي الناشر ، وانتظار أشهر طويلة حتى يظهر العمل، هذا إن ظهر ، ولم يأت طارئ يوقف المجلة أو يأخذ دور المبدع لحظوة أو واسطة أو مصلحة عاجلة للناشر .
بات " حسن حجازي " اسما معروفا في المنتديات الأدبية الإلكترونية ، وسعى إلى تطوير ذاته الإبداعية باقتحام أحد الميادين الشاقة وهو ميدان الترجمة ، وله ترجمات غاية في الروعة لشكسبير ، وشعراء المدرسة الرومانسية الإنجليزية.
يمثل ديوانه الذي يحمل عنوان " في انتظار الفجر " ، مشروعه الشعري بشكل عام ، حيث بدأ حياته الأدبية بديوان " عندما غاب القمر " عام 1981م ، وديوان "حواء وأنا " عام 2007م ، أما هذا الديوان فقد صدرت طبعته الأولى عام 2003م ، وها هو يعيد طباعته للمرة الثانية ، مزيدا ومنقحا الكثير من قصائده، وبالنظر إلى منتجه الإبداعي خلال ستة وعشرين سنة ، وأيضا ما بين صدور الطبعة الأولى والثانية من هذا الديوان – موضع درسنا - يجد تطورا لافتا في البناء والتشكيل الجمالي ، مع الحفاظ على ثوابت الذات ، والاعتداد بهوية الأمة حضاريا وثقافيا ، واستشفاف مستقبلها رغم خضم السواد الذي يكنفها . وهذا جلي في العنوان ، الذي وقف عند دلالة الفجر / الأمل ، وتكاد تكون نصوص الديوان تحمله في جلّ طرحها . إن رؤية حسن حجازي / الشاعر / أنه جعل مشروعه الشعري ساعيا لاستنهاض الأمة ، والذود عنها، في قضاياها المصيرية ، أو همومها المستجدة ، ونطالع هذا في قصائد تلامس هموماً سياسية متقلبة في دفاترالأمة والوطن، وما أكثرها !
نجده في إهدائه ، يجمع المرأة ، والوطن ، فالمرأة لا يخص إنسانة بعينها ، بل جعلها مصرية عربية ، بكل ملامحها ، يقول :
كل ُ امرأةٍ فى بلدي
هى ملهمتي
هى أمى
هى أختي
هى أمٌ لولدي
أو أبنتي .
وهذا المحور الأول في الديوان ، إنه المرأة ، ولكن المرأة لن تكون ذات خطاب رومانسي ، بل خطابا حاملا الفكر والرؤية ، وهذا تطور في البنية والخطاب الشعري لديه ، فقد تجاوز المرأة / المحبوبة ، إلى المرأة / الرمز ، كما سنرى بعدئذ في العديد من القصائد .
وجاء النصف الثاني في الإهداء موجه إلى الحلم / الأمل ، يقول :
إليهِ
أينما حلَ
وأينما كان
ننتظره
مع إطلالة ِ كل فجر !

وهذا الفجر / الحلم / الرؤية - الذي حملتها القصائد - حلم بالخلاص والعزة والنصرة ، ونلحظ في المقطع السابق تركيبا لغويا يلامس عنوان الديوان ، معبرا عن وحدة عضوية ووشيجة لفظية .
عند الوقوف عند رؤية النصوص ودلالاتها ، نلحظ أنها تمثل الوجه الآخر للرؤية العروبية الأممية التي حملها الديوان ، وهذا ما يطالعنا في قصيدته الأولى التي حملت عنوان " أكانت تدري " مهداة لولادة بنت المستكفي ، ويصاب العقل بالدهشة حينما يجدها تتجاوز المعارضة التقليدية للنونية الشهيرة لابن زيدون إلى خطاب شعري بضمير الغائب عنها ، فتصبح المرأة / المحبوبة ، رمزا للأمة المغيبة بكاملها ، في إسقاط واضح على أحوالنا المعاصرة ، فهل كانت " ولادة" تعلم أن فارسها الزيدوني يمكن أن يبيعها . يقول :
أكانت تدري
وهى وادعة ٌ
تنتظرُ حلما ً
أحمدياً زيدونياً
أنَ شاعرها
أنَ فارسها
قدم َ صكَ اعترافه ِ للنخاس
مع أول ِ لطمة ٍ
جاء أول المقطع بصيغة الاستفهام " أكانت تدري ؟! " ، وهو نفس عنوان القصيدة ، وهو أيضا الرابط – التركيبي - بين مقاطع النص ، فالقضية تتصل بالأمة الآن ، هل هي على علم بما يحاك لها من مؤامرات ؟ وأن مَن تظنه من قادتها وفيا ، صار عبدا للنخاس بمحض إرادته . إنها أقسى حالات الإذلال ، فالإقرار بالعبودية والتسليم بها ، يعني ذل الهزيمة دون حرب ، لا شرف الهزيمة بعد قتال ، وهذا واقع الآن، وما سعى إليه شاعرنا ، فقد استقصى مأساة العرب ، في جنبات البلاد ، ممعنا في الحلم المجهض ، فيقول :
أكانت تدري
أن عاصمة َ الخلافة
أفترشها الجراد ُ
فأمست كالقطة ِ
تأكل ُ أولادها
هنا إشارة إلى سقوط بغداد ، التي احتضنت الخلافة العباسية قرونا ، في عنفوانها ووهنها ، ولكنها كانت علامة الوحدة الضائعة الآن ، ونلحظ أنه لجأ إلى تشبيهين شديدي القتامة : فالمحتل الأمريكي كالجراد ، بجحافله وهمجيته ، مثله مثل الجراد لا يفرق بين أخضر ويابس ، فقد أذاق العراقيين الهوان والقتل ، وحسبما هو معلن أمريكيا ، فقد قتل ستمائة وخمسون ألف عراقي منذ الاجتياح الأمريكي ، إذن يكون كالجراد يفترش المساحات الخضراء ، ويغطيها بسواده الكئيب ، أما واقع الشعب العراقي في أرضه ، فقد أصبح قطة في أشد وحشيتها عندما تأكل أبناءها جوعا . ويظل السؤال ، ولكنه بصيغة الاستنكار لا الشجب :
أكانت تدري
أنه ُ قد ولى زمن ُ السيف ِ
وزمن ُ الرمح ِ
وزمن ُ القوس ِ
وأنَ الفروسية َ بلَلَها دمع ُ الكبرياء
فى انكسارِ الراية
فى عصرِ الخوف ,
تفضحها حرب ُ الفضائيات
حيث يؤكد الشاعر على مبادئ العزة والنصرة ، مذكرا بأسلحة ومبادئ العربي القديم ، وأسباب نصرته : الرمح ، القوس ، السيف ، الراية ، وأخلاق الفروسية ، فهل هي إدانة للهزيمة ؟ أم كفر بكل الدعوات الاستسلامية والتشدق بأمجاد زائفة ، وعنتريات الأنظمة ؟
وفي هذا النص ، تتلاقى المرأة / الوطن ، والوطن / الأمة ، والأمة / الشعب، والشعب / الأمجاد ، والأمجاد / التاريخ والفروسية . هذه الثنائيات ، لا تقف عند حدود معينة ، بقدر ما تصنع مزيجا من حال الأمة الآن ، حالها مأزوم ، رغم تاريخها العريق ، مفتقدة قائدها ، ساخرة من دعايات فضائيات الأنظمة .

نفس الهاجس ، يظل مسيطرا عليه وهو يخاطب المحبوبة / الأنثى ، يقول في القصيدة التي حمل عنوانها غلاف الديوان:" في انتظار الفجر " :

لم اكن أعلم ُ أنَا خُلِقنا
بزمن ٍ تناسى
لون َ الحقيقة
ارتوى ثدي الخطيئة
الصدقُ فيه ِ كم احترق !
لم أكن أعلم ُ أني
و أبناء ُ جيلي
سنعبرُ حلماً َ
فوقَ ِ الريح ِ
لبحيرات ِ المحال ِ

إنه يدين الزمن ، ويبكي على وجوده في جيل منكسر ، وفي المقطع السابق ، تشف ذاته ، وترتفع لمصاف الفلاسفة ، فالحقيقة صارت لونا ، واللون مفقود، والصدق بات خامة مادية ، وحُرِقت ضمن ما حُرِق ، والجيل ممزق بين حلم مستحيل الحدوث ، إنه يدين في هامش النص الرؤية الرومانسية التي حلم بها جيل الستينيات ، هؤلاء الذين تشبعوا بالقومية وشعاراتها ، وسرعان ما اكتشفوا زيفها واكتووا بلهيب السقوط .

نتوقف في المقطع السابق عند بنيته التشكيلية فالزمن : " تناسى لون َ الحقيقة، ارتوى ثدي الخطيئة " لقد أنسنَ الزمن ، وجعله مشرَّبا بالنسيان مستخدما لفظة "تناسى" والنسيان هنا حالة مرضية ، لا وقتية ، فقد قبل الإنسان العربي أن يشرب الخطيئة إلى درجة الارتواء ، أي الثمالة ، وفعل الارتواء يشي برغبة الإنسان في الشراب والشبع ولو كان منبع اللبن هو الخطيئة ، فالنسيان يجعل صاحبه متخبطا تخبط الممسوس ، وهذا ما صاغه محاولا التماس العذر لأبناء جيله : " لم أكن أعلم ُ أني و أبناء ُ جيلي سنعبرُ حلماً َفوقَ ِ الريح ِلبحيرات ِ المحال ِ " ، فنحن لا نملك من واقعنا الذي هو أكبر منا إلا أن نحاول ، والمحاولة كما يرى شاعرنا حلم فوق ريح ، والريح فوق بحيرات المستحيل ، إنه سراب فوق سراب ، لا يكاد الرائي يرى منه شيئا ، اللهم إلا جسده ، وهذا ما يؤكده بقوله :
خسرت ُ الرَهان
فانتحرَ طيري الأخضر
واسودت فى عيني الشمس
بين َ سكون ِ الرمز
تحت َ نيران ِ العجز
من خيول ِ الفُجَاءة
تتابع الرموز : الرهان الخاسر ، الطير الأخضر ، الشمس المسودة ، النار العاجزة ، خيول الفجاءة ، وهي في مجملها تجمع المادي اللوني ( الشمس ، الأخضر ، السواد ، النار ) بأفعال موضحة العجز ( خسرت ، انتحر ، اسودت ) فنتأمل في النهاية المقطع كلوحة تشكيلية أقرب للسيريالية ، تنبض بيأس وأسى. وبالنظر لتاريخ كتابة هذا النص ( 1982م ) ، وإصرار الشاعر على نشره في ديوانه مع نصوص أخرى تعود لسنوات خلت في العام ( 2008م ) ، دلالة على أنه متمسك برؤيته ، رغم تتابع السنين ، لأنه لم يجد جديدا ، فهل تجمد الماء ؟ أم لازلنا نسبح في بحيرات المحال ؟


وفي قصيدة " دوماً أنتِ بقلبي " نجد القضية الفلسطينية حاضرة ، كما هي حاضرة في كثير من نصوص الديوان ، ويهدي هنا القصيدة إلى (الشاعر الفلسطينى الصديق...منير مزيد ) ، ودون أن نتعرف علاقته الإبداعية بالشاعر ، ومدى صداقته ، يبقى الفلسطيني حاضرا بقضيته ، ويمزج القضية بشخص الصديق وشعره ، في توحد ما بين الشاعر والإنسان والقضية ، قضية العرب ، يقول :
كلما هطلَ المطر
ليروي حقولَ الياسمين
كلما هلَ القمر
وداعب َ ليلَ العاشقين
أشتاقُ إليك ِ
ويعذبني الحنين
لرشفةِ ماءٍ
تروي جفافَ عمري
فتعبير " جفاف العمر " إشارة إلى أزمة جيل شاعرنا ، حيث افتقد الجيل المبادرة، واكتفى بحزن يضفيه على حالنا ، ولكن عندما يجد القضية الفلسطينية حاضرة ما في شخوص أبنائها ، ومقاومتهم ، يسترد بعضا من نضارة عمره ، ولننظر إلى دقة الألفاظ المستخدمة في هذا المقطع ، إنها الماء وما يدل عليه ، في مواجهة الجفاف العمري ، فالماء في الألفاظ : " هطل المطر ، يروي ، رشفة ماء ، تروي جفاف العمر " ، أي أن الماء رمز للفعل الإيجابي ، والأمل المنتظر ، وهذا ما يجده في المقاومة الباسلة . وهو ما دفعه لإدانة الفرقة الآنية بين فتح وحماس في فلسطين ، مناشدا محمود عباس رئيس السلطة ( فتح ) في الضفة الغربية ، وإسماعيل هنية رئيس وزراء فلسطين ( حماس ) في غزة ، مناشدا إياهما الوحدة، بخطاب شعري يقترب من المباشرة الموظفة ، حرقة لتمزق ما تبقى من الوطن الفلسطيني ، ولا يعلم أن الفرقة ليست منهما قدر ما هي انعكاس لمؤامرات ، وما هما إلا وجهان ضمن وجوه تتحرك على الساحة ، يقول في قصيدة " نريد فلسطين " مخاطبا الأشلاء العربية الممزقة في العالم ، قاصدا تشتت الشعب الفلسطيني خاصة والعربي عامة في البقاع :
تبحثُ عن هوية ٍ
عن حلمٍ عن وطن ,
نحسبه ُ جنة ً للخلد ِ
فإذا بهِ أرض ٌ للخوف ِ
إنه يؤكد على أننا كنا نعيش في زيف كبير ، سمي حلما ، ووطنا ، ولكن الواقع كان أرضا للخوف والسجن والموت بلا كفن . هنا إلحاح على إدانة الحلم الزائف الذي روجت له الأنظمة ، مشيرا إلى حلم حقيقي كامن في أعماق الذات العربية، نابع من هويتها الحضارية وثقافتها الدينية ، وهذا ما يستدعي الخطاب المباشر إلى زعيمي القضية الآن :
يا زعماء فلسطين
سؤالي حزين
نقول ضاعت القضية
توارت الهوية ؟
ويقصد بالهوية ، الروح العربية الإسلامية التي غابت عن جوهر القضية تحت شعارات ظاهرها خير ، وباطنها سم ، وحاملها أفّاق ، وهذا ما يلح عليه في قصائد حملت رؤيته صريحة مثل : " الأقصى حزين " ، " مكان في الذاكرة " ، "على أعتاب الحلم " وغيرها .
لعل من أبرز ملامح الرؤية التشكيلية الجمالية في الديوان أنها تتضافر مع الطرح الفكري ، والإلحاح على العودة إلى الهوية الحضارية للأمة ، لذا ، يستعين دائما بالعديد من الإشارات الرمزية إلى أبطال ووقائع وأحداث وحكايات . كما في قصيدته الأولى عن ابن زيدون ومحبوبته " ولادة " ، مذكرا القارئ بتاريخ أندلسي حافل بالعزة والحضارة الزاهرة ، وهي في كل الأحوال ممثلة لزمن من أزمان العزة للمسلمين ، فنتأسى على يتم الحقبة الأندلسية وضياعها في التاريخ الإنساني عامة وتاريخ الإسلام خاصة ، فهل هذا وجه آخر للمأساة في فلسطين والعراق ؟ وهل يمكن أن تكون الأندلس المأساة مكرورة في تاريخنا المعاصر؟
إن دأب الشاعر في هذا تشكيلاته الجمالية استدعاء رموز عدة تحمل ملامح من الهوية الثقافية ، مع إعادة توظيفها في السياق النصي ، يقول مخاطبا المحبوبة، مذكرا ببعض الموروث الحكائي العربي، وهي حكاية الشاطر حسن وست الحسن, وقد رويت مرات في السير الشعبية العربية، وأضيفت إلى بعض طبعات ألف ليلة وليلة في عصور متأخرة زمنيا ، يقول :
لأني ، وأنا الفارس القادم
دوما ً على جناح ِ الريح ,
عندهم , بلا ثمن !
لأني أنا
المنتصر دوماً
والخاسر ُ دوما ً
لأنكِ أنتِ ستُ الحسن ِ
وأنا الشاطرُ حسن !
يضع نفسه في مكانة الفارس ، بأخلاق الفروسية ، في زمن باتت هذه الأخلاق مهجورة لدى القادة ، مدانة لدى الساسة ، فلا يجد سوى التذكير بأن هذا الفارس هو في أعماقه الموروثة ، من زمن الشاطر حسن ، وأن الحبيبة المبتغاة ليست أنثى عادية ، بل هي ست الحسن المشاطرة الفارس / الشاطر حسن ، آلامه وأحلامه ، وهو يلح على لفظة الريح ، التي مرّ استخدامها من قبل ، بدلالة الاستحالة في زمن العجز ، وهذا دال على تواتر الرؤية ، وانسجامها اللفظي والتركيبي في جنبات النصوص . ويقول أيضا :
وأنا شهريار الجديد
محرر آلاف العبيد
محرر شهرزاد !
إنها مجرد إشارة لجوهر حكايات ألف ليلة ، ولكن شهريار لم يعد مجرد ملك مستمع ومستمتع للحكايات ، بقدر ما تحول إلى فارس إيجابي الحركة ، فلن يقتل الجواري والعبيد ، بل يحررهن ، وسيحرر شهرزاد الأنثى ، بعدما امتلكت رؤية التغيير وفعله ؛ إنها إعادة توظيف وإنتاج للدلالة الحكائية الموروثة . وهذا ما نجده في إشارات عدة أخرى ، حيث يقول :
فنمضي بغيرِ جذور
تتقاذفنا الريح
لا ندري أين !
صحا بقلبي السندباد
أتهيأ للرحيل
فالسندباد شخصية عربية معروفة برحلاتها ومغامراتها ، ويكتفي شاعرنا هنا بدلالة الرحيل للسندباد البطل ، حيث يجد أن الرحيل ملاذ له من زمن لا جذور فيه للمرء ، ولا هوية في زمن تداخل الهويات وتنازع الثقافات ، وتظل دلالة الريح حاملة الاستحالةوأيضا الفعل القهري للبطل الرومانسي . ويقول :
لا عنترة
ولا سيف بن ذي يزن
ولا طارق بن زياد
ولا صلاح الدين !
مجدٌ مضى
فى القلب لم يزل
أريجه ُ على مر السنين !
إن الإلحاح على استحضار أبطال العرب بدءا من العصر الجاهلي بذكر عنترة العبسي بكل فروسيته ، ثم سيف بن ذي يزن أحد أبطال السير الشعبية العربية الشهيرة ، وطارق بن زياد فاتح الأندلس ، وصلاح الدين فاتح القدس ومحررها، في إشارات تكتفي باسم البطل ، تاركة القارئ يسترجع قصة كل بطل من هؤلاء على حدة ، ولكن علينا أن نعيد النظر في اختيار هؤلاء تحديدا ، فكل منهم يشير إلى قضية ألح الشاعر عليها : فصلاح الدين / القدس ، وطارق بن زياد / الأندلس، وعنترة / أخلاق الفروسية ، وذي يزن / محبة الجماهير العربية له لأنه موحدها ومحررها ، إنه أريج تعمق الصدور ، واختزنته الذاكرة .
وهذا ما أوضحه تفصيليا في قصيدة " صلاح الدين " ، حيث ألح على استدعاء البطل / الفارس ، يقول :
لا تسلنى عن صلاحِ الدين
ولا تسلنى عن حطين
قبل أن تصبح َ أنت َ
وأصبح ُ أنا صلاح الدين
إنه يؤكد على الفعل الإيجابي : للذات الشاعرة ، والمتلقي لها ، فصلاح الدين ليس فردا ، إنه رمز لأمة ، وحقبة توحد الشعب فيها وراءه ، وكانت نفسية الشعب مغذية للبطل ، ومنتجة له ، فكم من العظماء جاؤوا في حقب لم يجدوا من شعوبهم إلا صدودا وتهاونا وكسلا .
وكما يذكرنا بالبطل الفردي ، يذكرنا بالجنود ، فيقول في قصيدة " هنا بيروت
هم جند ُ خيبر
هم جند ُ بدر
جند القادسية
واليرموك !
، نعم فلا قائد فذ دون جنود أفذاذ . و نفس التوظيف يحدث في إشاراته لقصة يوسف عليه السلام ، مخاطبا المحبوبة :
كنت ُ عزمت ُ أن آتيكِ
بالأقمار السبعة المزروعة ِ ورد
أن آتيكِ ببقراتِ يوسف الِسمان
لترعى حقول الحنطة عند الشط
لكنى أأسفُ يا حبي
المحبوبة هنا الأنثى ؟ أم الوطن الذي يعاني العجز ، ورغيف الخبز؟ إنه يعيد التذكير بيوسف الصديق ، الذي عاش في بر مصر ، وكان سببا في إنقاذها من مجاعة



سبع سنين متتالية ، ولكنه يحلق بالمحبوبة / الوطن إلى آفاق النجوم ضمن طريقته في استدعاء الموروث بإشارة يسيرة ، مع مزجه بالروح الشاعرة، وهنا يستخدم الرقم " سبعة " نعتا للأقمار المزروعة ، إنها صورة تجمع السماء بالأرض بالحلم ، وهذا ما يعطي دلالة الاستحالة ، فيؤكدها بالاعتذار لأن العمر أقصر – بالفعل – عن تحقيق الحلم ، فما أصعبه ! ويعيد الإشارة إلى يوسف علي فعمري أقصر من نول الحلم
هل ه السلام في قصيدة الأسير ، حيث يقول :
ويوسفُ أنا ما زالَ نقياً
ما زال نبياً
فى زمن ٍ بغير نقاء!
إنه يخاطب يوسف الذي عاش في مصرنا العزيزة ، وملأ أرضها نورا وهداية، وخيرا ورخاء ، فتتوحد ذاته الشاعرة مع أهم ما في رسالة الأنبياء وهو النقاء، الذي تلاشى من حياتنا ، ولكنه الشاعر / الفارس / النقي . ويشير إلى قصة قابيل وهابيل فيقول في قصيدة "رسالة من قابيل" :
يسألني الغراب ُ عن ذنب ِ هابيل
وتسألني التفاحة ُ عن حواء
وأجيب ُ بأنَ الخريف َ قد أتى
على شجر ِ التوت !
إن النص لا يحكي القصة ، بل يحاورها ، فالقصة توضح بجلاء كيف أن الإنسان يأكل الإنسان ، وهذا في بداية الخليقة ، وكان البشر إخوة ، وهنا يكون قابيل مرسلا للرسالة لكل البشر ، لأنه الجاني ، ولا يعرف هابيل أي ذنب جناه إلا طاعة مولاه ، وتظل حواء الأم ثكلى ، تعاني خريف العمر ، وألم تمزق أمة البشر في بداية تواجدها الأرضي .
إن تجربة حسن حجازي الشعرية تحمل نبض الأمة ، وتنطلق من موروثاتها وهويتها الثقافية ، تنفعل بكل أتراحها ، وتدين عجزها ، وهو يعترف مرات ومرات أن العجز منا ، لا من قهر عدونا لنا ، وتلك هي الأزمة .

د/مصطفى عطية جمعة

*****

قراءة في قصيدة جرأة /حسن حجازي /سمر محمد











قراءة في قصيدة جراة / سمر محمد/حسن حجازي
الشاعر :
حسن حجازي

قصيدة ( جرأة ) )
حسن حجازي
///

أهدتني قلماً
لستُ أدري
كانَ من مسكٍ
أو عنبرْ !
قالت :
هيا يا شاعر
اكتب
عن جمالي
عن دلالي
عن قوامي
عن سحري
هيا ارسم
هيا عَبْر !
هيا طُفْ بنا
جناتِ الكوثر
وانهل من السحرِ
من الشهدِ
من عبير المرمر ،
فردَدْتُ لها القلم
وقلتُ لها:
ما جدوى الفرشاة
والحبرُ والمَرسَم
ما دامَ القلبُ
بحسنكِ لا يشعر ،
كم تمنيتُ أن يعيشَ
الحسنُ
فيكِ يا طفلتي
مع الجوهر !

استدراك:
تمنيتُ
أن يرجعَ قطارُ العمرِ
وأقسمُ
إني كنتُ سأضعها
داخلَ قلبي
وأعطرهُ بالمسك ِ
والعَنبر ،
وأحوطها سنواتِ عمري
وأغزلُ لها
من الربيعِ بيوتاً
من الوجدِ
من الشَهدِ المُكرَر ،
فتركتها والقلبُ
يهيمُ بها وبسحرها
ويُمَني النَفسَ
بقربها بوصالها
أكثر وأكثر ،
ويبكي أيامَ الشبابِ
وما كانَ مكتوباً
علينا في الغيبِ
و مُقَدر !


********



قراءة المبدعة :
سمر محمد
:
في نص"جرأة ""


بعد العولمة و الانفتاح و المناداة بـ التحرّر الأنثوي
( المنفلت أصلاً ) وجدنا أنفسنا و قد تنازلت الأنثى
عن الكثير من خجلها العذري ، و باتت جرأتها في كشف مشاعرها
لا تشكّل أية تُشكل مشكلة لديها بل بالعكس ،
فلم تعد تكتفي بالتلميح
بل بدأت تأخذ المبادرة و تستلم زمام التحكّم في كونها البادئة
.... بعض الرجال قد يستهجن الأمر الذي يعتقد أنه خارج
عن المألوف و منافٍ للتقاليد الشرقيّة التي تربّى عليها
و البعض الآخر قد يجد في الأمر طقوساً جديدة تغريه لـ الغوص أكثر
لـ معرفة أعماق هذا المخلوق الذي يسمّى ( حوّاء)
و ما أدراك ما هي ؟

فـ نجده يحلّق في لغة ٍ و كأنها سواقي ممتدّة على سيقان النعناع
لـ ينثر رياح عطر من حرف متواجد منذ الأزل لكنه بات اليوم يتّخذ رائحة مختلفة

العنوان ... جرأة

حين نقرأ هذه الكلمة نشعر و كأن ريحاً أتت تمسّد ضجر المألوف
و تبعدنا عن جرف الرّتابة ...
تأخذنا إلى حافّة جنون تنزلق فيها
الأحاسيس دون خشية من أن يحرثها الطعن لما سيأتي بعدها
فـ هي مكلّلة بشجاعة و سفورٍ لذيذ يريده الكاتب فاضحاً
دون شوائب تشكّل إعاقة ولوج لـ المتلقّي
الاستهلال في النص حركة لغوية
تُظهِر الخيال المبدع للكاتب و تظهر لنا
درجة تشابكه بـ عروة فِتنة من يتحدّث عنها
نجد هذا في ضياعه في تحديد نوع الهديّة
و ربما يكون إرباكه عائداً إلى اعتناقها مبدأ المبادرة
قبل أن يرفّ طرفه عنها
و بما أن الشاعر كان تحت تأثير لحظة معيّنة تائهاً بين
جماليّتها و بين ما اعتمل في دواخله من حساسية لهذا الكائن
المرهف الجريء أمامه و الذي اقتحم خلوته سابراً أعماقه
دون جهدٍ يذكر


اكتب
عن جمالي
عن دلالي
عن قوامي
عن سحري
هيا ارسم
هيا عَبْر !


ثمّ أتى بعد هذا دعوة لـ الطواف و النهل من الأطايب
و ما جدوى هذا ؟؟؟؟؟
يفاجؤنا الشاعر في البداية فـ نشعر و كأن من تعرض مفاتنها
بهذه الطريقة هي لوحة جميلة صدمه جمالها و أزعجه جوهر ألوانها
لـ يستدرك و ينقذنا من حيرتنا و يتمنى


تمنيتُ
أن يرجعَ قطارُ العمرِ
وأقسمُ إني
كنتُ سأضعها
داخلَ قلبي
وأعطرهُ بالمسك ِ
والعَنبر ،

تحدّث هنا بـ فطرته المصدومة و بدأ بـ تفريغ أولى إرهاصات
ما توارد في ذهنه ألا وهو التقاء الخريف بـ الربيع
و ما ينتج عن اقتحام النار للثلج
أحسّ الشاعر بـ الخفق و كأنه وزرٌ يثقل كاهل قلبه
شعر بـ (أوقيانوس) من العطر لم يعد تتسع له رئتاه
هو الذي بات قطعة غيمٍ شاردة تخشى الرياح
و وجد نفسه يخشى انتهاء الخريف تشظّياً
على أعتاب خماسين الربيع الملتهب
حاول أن يستقرئ على مهل همس الملائكة
لـ يمنح قلبه السلام فـ وجد نفسه يقلّب ذاكرة العمر
و يستعيد محطّات تأرجحت انتظاراً

و ها قد وصل القطار و لكن قدميه أعجز من الوصول لـ يستقلّه
حتى صفاراته باتت تزعج أنين أذنيه بسبب الحسرة
حسرة ارتجلتها حروفه بـ براعة المطلق الماء على الحرائق
ثم أنهى القصيد بـ تصوّف لوني ّ أظهر فيه
الرضا
بما قدّر له حين عاد لـ رشده الحكيم و شجب غوائل الشهوة .


القصيدة تختال ببساطة الحرف و قوّة المعنى
نشتمّ فيها حكمة الشاعر
(ألا ليت الشباب يعود يوماً)

بقلم المبدعة :
سمر محمد
********

قراءة نقدية في قصيدة التقويم /عباس باني المالكي/ العراق




الشاعر والناقد العراقي الكبير
عباس باني المالكي
يقدم :



قراءة نقدية لنص ( التقويم) للشاعر
حسن حجازي



*****

التقويم !


وريقاتٌ صغيرة
تسَاقطُ من أعمارنا ؟
أم من التقويم ؟
وريقاتٌ صفراء
محملة بخريفِ العمر
تتهادي بعدَ شتاءٍ قاسٍ
طويل
بسويعاتٍ
من شقاءٍ
وزفراتٍ من أنين ,
تسَاقطُ معها الأماني
مع قطراتِ المطر
وحباتٍ من ضياء
وآمالٍ حسان
سافرت بلا عودة
عبرَ السنين ,
كلما امتدت أيدينا
لنقطفَ وريقة
تمنينا أن يقف معها
العمر ,
عند لونٍ أبيض
بلونِ الطهر ,
يومٌ
كم تضاحكَ لنا
فيهِ الزهر ,
كانَ ميلادُ حبك
يوماً
بكلِ أيامِ العمر ,
ليتَ الزمنَ توقف
ونَمَت وريقاتُ التقويم
كلُ وريقة نُقِشَ عليها
ميلادَ حبك ,
تذكرني أيامَ الشبابِ
أيامَ وصلك ,
كلُ وردةٍ حمراء
تنمو مع إطلالةِ
الربيع
مكتوبٌ عليها :
"سأبقى طولَ العمر
أحبك !"
ونترك التقويمَ
واقفا
متجمداً
هائماً
ذاكراً هذا اليوم
ناسكاً
في محرابِ
وجدك ,
يحسبُ مرور الفصول
ويعُد الشعيرات البيضاء
واقفاً
متذكراً
ودمعة ساخنة
تحنُ
لهذا اليوم
لذكرى ودادك
ووصلِك !
تُرى لو تناسينا التقويمَ
وحسابَ السنين ؟
أيحفظُ الدهرُ لنا
ميلادَ حبك ؟!

استدراك :
كلما نَزعنا وريقة
من التقويم
يبزغُ من بينِ السطور
عودُ ياسمين
منقوشٌ عليه ِ
قلوبٌ صغيرة
تنبضُ
تتغنى
تتغزلُ
ببهاكَ
وحسنك !
وتظل تهتفُ وتغرد :
سأبقى طولَ عمري
أحبك !ِ
سأبقي أحبك !

أن الترابط مابين مراحل العمر والعاطفة التي تتكون داخلنا اتجاه الأشياء المحيط بنا ستبقى هي المبرر الوحيد إلى حالة الجذب إلى كل الأشياء التي نعيشها في كل مراحل الحياة لأننا لا يمكن أن نشعر بالحميمة اتجاه أي شيء دون أن تتكون في داخلنا ترابط عاطفي تجاهه والشاعر هنا أستطاع أن يستقرأ كل هذا مع ربطه بتغير الزمن في كل مراحل عمر الإنسان أي أنه ثبت جدلية هذه العواطف مع تغير الزمن وقد استفاد من اللغة المعبرة بشكل كبير عن هذه العواطف مكونا ً لغة منسابة تشكل وفق أنساق جميلة ودالة ماسكاً بعوالم الألم التي يشعرها الإنسان عند مرور عمره كوريقات تتساقط من التقويم .. والنص يشعر به المتلقي مبني على دالة العمر مؤثثا على هذه الدالة استمرار المدلول المتحرك إلى أخر نص حيث يتغير عمر الإنسان كما تتغير فصول السنة حتى توصل هذه الفصول إلى خريف وشتاء قاس وهذه هي أزمة الإنسان وقدره الوجودي فلم يعد عمره سوى وريقات تتساقط عند نهاية كل يوم والشاعر أستطاع أن يوثق العلاقة الجدلية القائمة على تناقص العمر ووريقات التقويم أي أن الاستعارة لم ترتبك فيها المعنى بل حافظ عليها وفق سياقها الوظيفي حيث أستطاع الشاعر بالاستفادة من مضي الأيام باستعارتها بوريقات صفراء لدلالة على انتهاء هذه الأيام أي وظف هذا الكشف بالترميز إلى الوريقات الصفراء في خريف أشجار وهذه مقاربة جميلة بهذه الاستعارة والمعلوم هذه الوريقات لا تسقط إلا في فصول الخريف والشتاء أي أن الشاعر أستطاع أن يدمج الاستعارة ليخرج بصورة الطبيعة معكوسة على عمر الإنسان أي أخرج الصورة المتقاربة الجميلة بدون حدوث تشويه بتحريك المشاعر الكامنة وراء هذه الصورة ....
وريقاتٌ صغيرة
تسَاقطُ من أعمارنا ؟
أم من التقويم ؟
وريقاتٌ صفراء
محملة بخريفِ العمر
تتهادي بعدَ شتاءٍ قاسٍ
طويل

يستمر الشاعر بكشف حالة المعانات من تساقط هذه الوريقات واصفا المعاناة التي تلازم الإنسان في أيام الخريف وأيام الشتاء القاسية الطويلة من زفرات أنين ولكن هنا يبرز صورة اليأس بتساقط الأماني كما تتساقط حبات المطر هو يريد أن يؤكد هنا بقدر ما حدث من تساقط الأماني لكن تبقى تلك الأيام جميلة لها طابع المطر وحبات الضياء أي أن تلك الأماني هي التي جعلته يستمر بالحياة لأنها تشكل لديه آمال حسان بالرغم أنها مضت ولن تعود ولكنه ظل متشبث بها لأنها تمثل له جوهر حياته التي مضت فنشعر أنه يريد أن يثبت كل هذا العمر انتظارا إلى مَن أحب وأن الحياة تمر عليه كوريقات لا جدوى منها وأن كل عمره ما هو إلا انتظار إلى قدومها فأنه عاشها بكل أزمانها ولكن لم تكن تعني إليه شيء سوى انتظارها الذي يكبر مع أيام عمره حيث تحولت إلى أمنية تكبر مع كبر عمره فينتظرها من أجل باقي عمره القادم فتتحول فقد استعار سافر بلا عودة عبر السنين لكي يعطي الدلالة عن جدوى الحياة بدونها فندرك أن الشاعر قد حشد كل عمره انتظارا من أجل الوصول إليها فبعد أن كان عمره مجرد وريقات صفراء يسقطها من التقويم وتمنى أن يوقف العمر أو يمتد بهذه اللحظات لتكون كل عمره الباقي .. والشاعر هنا يريد يؤكد على اللون الأبيض لكي يوحي بدلالة نضج حبهما لأن هذا اللون يمثل لون الحكمة لون النضج لهذا يريد العمر أن يتوقف عند هذا العمل لأن حبهما كبر ونضج والشاعر هنا أستطاع أن يستخدم الانزياح في تأويل الدلالة للنضج بلون الأبيض أو على الطهر في علاقتهما أي لم يسقط بالمباشرة بل أستطاع بالإيحاء وهنا يكمن سر جمال النص لأن اللغة التي أستخدمها بدل أن تتسطح فيها المفردات بقى يحافظ بعمق المعنى من خلال دلالة الإيحاء فالشاعر بعد أن وصل حبهما إلى هذه المرحلة أخذت ينظر إلى الحياة بشكل أخر حتى الزهور أخذت تضحك لهما ...

بسويعاتٍ
من شقاءٍ
وزفراتٍ من أنين ,
تسَاقطُ معها الأماني
مع قطراتِ المطر
وحباتٍ من ضياء
وآمالٍ حسان
سافرت بلا عودة
عبرَ السنين ,
كلما امتدت أيدينا
لنقطفَ وريقة
تمنينا أن يقف معها
العمر ,
عند لونٍ أبيض
بلونِ الطهر ,
يومٌ
كم تضاحكَ لنا
فيهِ الزهر ,

ويستمر الشاعر ليؤكد أن حياته ميلاد حبها في ذاته هو معنى الحياة فكا ما مضى من عمره إلا انتظارا لها فكم يتمنى أن يتوقف العمر وتتوقف تساقط الوريقات لأن حبها أكسبه مشاعر جديدة أو مشاعر تذكره بأيام الشباب والشاعر أستخدم هنا المجاز لتوضيح عمق مشاعره وجيشانها بدلالة عمر الشباب المهم أن الشاعر أستطاع أن يصوغ مشاعره بلغة استطاعت أن تستوعب كل ما أراد أن يوصله إلى المتلقي وهذا هو سر جمال القصيدة

كانَ ميلادُ حبك
يوماً
بكلِ أيامِ العمر ,
ليتَ الزمنَ توقف
ونَمَت وريقاتُ التقويم
كلُ وريقة نُقِشَ عليها
ميلادَ حبك ,
تذكرني أيامَ الشبابِ
أيامَ وصلك ,
كلُ وردةٍ حمراء
تنمو مع إطلالةِ
الربيع

مكتوبٌ عليها :
"سأبقى طولَ العمر
أحبك !"
ونترك التقويمَ
واقفا
متجمداً
هائماً
ذاكراً هذا اليوم
ناسكاً
في محرابِ
وجدك ,
يحسبُ مرور الفصول
ويعُد الشعيرات البيضاء
واقفاً
متذكراً
ودمعة ساخنة
تحنُ
لهذا اليوم
لذكرى ودادك
ووصلِك !
تُرى لو تناسينا التقويمَ
وحسابَ السنين ؟
أيحفظُ الدهرُ لنا
ميلادَ حبك ؟!

بقدر ما كان منتظر إلى مجيئها نشعر أنه بعد أن عاش معها أجمل أيامه معها ولكنه فرقها ولكن مع هذا الفرق كان أيام حبهما هي الباقية في ذاكرته وكانت ميلاد حياته الحقيقية فالشاعر بقدر ما كان يسقط الوريقات الصفراء من التقويم ولكنه بعد ميلاد حبها في ذاته يريد أن يوقف عمره كله عند الأيام لكي يعيش معها حبهما لأنها أعطت إلى حياته معنى وفرح جديد ..فهو الآن يعد الشعيرات البيضاء واقفا متذكرا أيامه مع من أحب ودمعة ساخنة وحنينه إلى أيامهما .. فهو يريد أن يشطب الزمن ولا يبقى سوى تلك الأيام التي عاشها معها أي يريد أن يؤكد أن حياته لا جدوى فيها ولا معنى بدون من أحب لأنه يريد أن لا يحسب السنين التي يعيشها دونها بل أن سنينه معها هي التي يجب أن تحسب ...والشاعر أستطاع إضاءة النص وكشف جوانبه عم طريق مدلولاته لما تحمل من لغة كانت مترافقة مع مشاعره التي أراد كشفها أمام من أحب أو بعد من أحب أي أستطاع حيازة المعنى بدون أن يسقط خطابه الشعري بالتقريرية بدل الإيحاء إلى أنفعا لاته العاطفية وفق نسق الزمن المتغير حيث هنا أستخدم مراحل العمر كافة التي تمر على الإنسان ولكنها لا تعني إليه شيء بدون من أحب أي الشاعر أسقط على مفردات لغته كل مداركه ووعيه وشعوره و انفعالاته وحافظ على تشكيل خطابه الشعري ليكون نسقه التي يتطور وفق أزمته التي يعيشها ....

استدراك :
كلما نَزعنا وريقة
من التقويم
يبزغُ من بينِ السطور
عودُ ياسمين
منقوشٌ عليه ِ
قلوبٌ صغيرة
تنبضُ
تتغنى
تتغزلُ
ببهاكَ
وحسنك !
وتظل تهتفُ وتغرد :
سأبقى طولَ عمري
أحبك !ِ
سأبقي أحبك !
وكما قلت سابقا أو هذا المقطع تأكد ما كشفت عنه في المقطع السابق حول استطاعة الشاعر إسقاط كل مداركه وانفعالاته في خطابه الشعري وفق الإيحاء بأزمته التي عاشها من انتظار الحب الحبيب إلى حدوث الفراق بينهما بالرغم من تمسكه بها إلى أخر العمر والاستمرار وأستطاع أن يحافظ على رمزية الحدث أي أستطاع باستمرار وتيرة توتره العاطفي إلى أخر النص ولم يسقط بالتقريرية بالرغم من زخم مشاعره .. والشاعر هنا في هذا المقطع يعيش في الماضي مطبوعا بحاضره بحيث ندرك أن أيامه الحاضرة هي سقوط لوريقات الماضي عندما كان يعيش مع من أحب أو هي إلا صدى وسقوط لأيامه السابقة من عمره فهو الآن لا يعيش إلا بها وعلى ذكرياتها أي أن النص حمل ثلاث أزمان قبل الحبيب وأثناء الحبيب وبعد الحبيب فنجدك كل عمره محصور ما أعاشه مع الحبيب فالزمن الذي قلبه هو انتظار له والزمن الذي بعده هو تذكر لما أعاشه معه والشاعر جعلنا نعيش ثلاث فصول بدلالات قلق انتظار ودلالات قلق بفقدان الحبيب ودلالات تذكر هذا الحبيب بأيام زمن الشعيرات البيضاء التي أخذ يعدها أي أنه أنار النص بهذه المراحل من العمر وكما قال جيمس تيسو ( أن المخيلة هي التي تلهب العواطف بأن ترسم بطريقة فاتنة أو رهيبة شيئا يؤثر فينا ) أي أن الشاعر أستمر بتولد أحاسيسه عبر مدياته العاطفية مثبتا أبعاد الزمن الثلاث وفق تجاذبات الانتظار والعيش والفقدان
مؤكدا أن الحياة لا قيمة لها بدون الحب وما الحياة إلا انتظار من أجل أن نعيش الحب الحقيقي الذي يمنحنا ( عودُ ياسمين /منقوشٌ عليه ِ/قلوبٌ صغيرة /تنبضُ /تتغنى /تتغزلُ /ببهاكَ /وحسنك !) والزمن لا نستطيع أن نوقف زحفه على حياتنا إلا بالحب والمحبة .....
***************


مسافر غلى الغد // بقلم عمر علوي /شاعر مغربي /حسن حجازي

شاعر وقصيدة


حسن حجازي وبصمته الشعرية/نكهة الزمن الجميل
عمر علوي ناسنا
المغرب

________________________________________

غريبة تلك اللحظة التي تبحث فيها عن نص يستطيع أن يدعي معرفته العميقة بصاحبه، معرفته لخلجان روحه ولتفاصيل دروبه ، وفيما تركب موجة البحث تشرئب أعناق نصوص كثيرة لكن قلة فقط تستطيع أن تمنحك ذاك اليقين اللذيذ بأن أنفاس الشاعر في نص ما أثيرة وعميقة.

ذاك ماخالجني وأنا أبحث عن نص شعري في السلة الإبداعية لأخينا الفاضل الجميل حسن حجازي والسؤال الذي يسكنني من يمثل الآخر أكثر ؟ الشاعر يمثل النص أم النص يمثل الشاعر ؟
وبصرف النظر عن ايهما فتح السفارة في أرض الآخر فإن البحث لم يطل كثيرا حين نقر أحد نصوصه نافذة التلقي المشرعة وهو النص التالي:

مسافرٌ إلى الغد !
حسن حجازي/مصر

بينكَ وبينَ الضفةِ الأخرى
لم يبق سوى القليل
أو أكثر بقليل
أو أقل بقليل ,
بين َ الظلمةِ والنور
بين َ خطوطِ اليأس
وآمالِ الرجاء ,
تقدم
لو عمَ السواد
تقدم لو سرقوا من العينِ الضياء ,
تذكر أنك َ على موعد ٍ هناك
أصمد لو كُسِرَ المجداف
لديك َ الف ُ ذراع ٍ وذراع
أصمد
لو بَعُدَ الشط
أصمد
لو تاه الغد
أصمد
لو تجمعت كل ُ المَرَدة
وأعوانُ الشيطان
أصمد
لو تجمعت ألوانُ الزيف
وتجمع كلُ السحرة
من عهدِ فرعون
الى البنتاجون
لا تخف
إلق ِ عصاك
فيكَ بأسُ موسي
نبضُ عيسى
نورُ محمد
تشبث بالإيمان :
" ..... فلا يغرركَ تقلبهم في البلاد " ,
وتذكر " إرم ذات ِ العماد " ,
تقدم
لو سرقوا من النورِ الشطآن
ولا تنس إنكَ إنسان
يسري فيك َ النورُ الأبيض
من ملائكة ِ الرحمن
تتنفسهُ في بسمة
في نسمة
في وردة
في رفرفةِ فراشة
تداعبُ ألوانَ الطيف
فلتمسك بالضوء
وتتمسك بالطهر
يصبح ُ الليل ُ الأسود ُ عندك ظُهر
يهديكَ إلى الشط
أصمد فالمرسى ليس بعيد
تحمل على ظهرك َ همومَ العبيد
احلام َ المقهورين
المنهزمين
البسطاء
الغرباء
ضحايا الغلاء
ضحايا النفط
ضحايا القحط
العطشى لشربةِ ماء
للستر
للكِساء
أصمد فالشاطيء ليسَ ببعيد
ها... قد وصلنا
تشبث بالغد
بالوعد
أثبت يا عبد الله
أثبت ثبتكَ الله
أنظر للطهر
لينابيعِ الخير
هناكَ آلافُ الأحرار
هناكَ الأطهار
هناكَ الأبرار
هناكَ الأحبار
وأخيراً وصلنا للشط
وصلنا للغد
وأخيراً أدركنا الخلد
وأخيراً
وجدنا الله !


--------------------------

مايميز نصوص الأخ الكريم حسن حجازي دائما هو عبق الزمن الجميل أياما يمكن أن تطل عليك من الماضي حاملة صورة عن عالم منسجم , عالم فيه كثير من النقاء وكثير من قدسية الروح، وفي نصوصه الشعرية دائما تحضر المرأة لتمثل كل تلك القيم وتحضر البلدة ويحضر الإنسان هذه المفردات الثلاثة: المرأة / المكان/ الإنسان هي الأنوية التي يتغذى عليها المعجم الشعري للعزيز حسن حجازي وهي ايضا التي تحكم أفق الدلالة عنده في نسيجه الشعري الوافر.

في هذا النص قد يخيل للقارئ أن بحث الشاعر قد خرج عن تلك الأنوية ولكن القراءة المتأنية تكشف عن حضور تيمة الزمن الجميل الذي يتغذى على ذات الأكوان الدلالية الثلاثة.

أختار الشاعر تيمة السفر ومحورها في صورة المسافر وهو ما أعطى للقصيدة بعداً زمنيا وربطها بكل الأسنن الثقافية التي يملكها القارئ عن السفر ومعطياته ، ولأن الأمر يتعلق بالشعر تحديداً فإنَ السفر هنا سيتحول إلى استعارة كلية تجمع كل تفاصيل القصيدة ، وهنا أود أن اشير لإلى أنه أحيانا يلاحظ في الظاهر أن قصائد الأخ حسن حجازي تتجه نحو المباشرية تحذوها حماسة الموضوع ولكن التأمل يكشف عن أمن المباشرية احيانا قد تكون أداة فنية حين تتحول إلى صورة كلية يتغذى عليها كل المشهد الشعري.

السفر هنا يخرج من مجاله المباشر ليستأسد على كل الأزمنة وفي حركة القصيدة وفي محطاتها التي تجمع بين الإجتماعي والقومي وبين السياسي والثقافي يتحول السفر ألى رحلة تطهير يحركها الشاعر بفعل أمر مركزي يوجهه دائماً للمسافر طالباً منه تجاوز الخيبات ومرارة ماتقدمه الرحلة من خيبات ومثبطات اجتماعية وقومية وسياسية
ليتحول فعل الأمر إلى قاطرة وإلى سوط يلفح عزيمة المسافر الذي ينتهي به التطهر والإصرار إلى نقطة مركزية هي المصب الدلالي العميق للقصيدة وهو الله:


وأخيراً وصلنا للشط
وصلنا للغد
وأخيراً أدركنا الخلد
وأخيراً
وجدنا الله !
----------

حسن حجازي أحسن الإشتغال على سفر إلى الله فصنع في المحطات سيرة الإنسان/ إنسان الزمن الجميل.


عمر علوي ناسنا
شاعر
المغرب

________________________________________

//////////////////////////////////////////

شهادة من تونس /د/ غبراهيم درغوثي

شهادة حب من تونس

القاص والمترجم التونسي
دكتور :إبراهيم درغوثي



قالوا عن حسن حجازي :



عرفت في حسن حجازي الشاعر الرقيق الذي يجود نصه الشعري كما يجود الصائغ سبيكة ذهبية ،فيختار له من الكلمات أجملها و من المعاني أحلاها ليأتي عذبا سلسبيلا يروي عطش القارئ و يشبع نهم المتلقي الباحث عن جماليات الكتابة الشعرية الحديثة.
و عرفت فيه القاص المبدع الذي يقترب بذكاء في نصوصه السردية من مشاكل الإنسان و الوجود . فيقول كلمته بذكاء ليبلغ رسالة اجتماعية و سياسية كم نحن في حاجة إليها في هذا الزمن المتكالب على أمتنا و شعوبنا العربية المغلوبة على أمرها.
كما عرفت في حسن حجازي المترجم الذي يختار النصوص التي يترجمها بحس الفنان باحثا فيها عما يأسر المتلقي الآخر ، فينقل له النص القادم من ثقافة أخرى و عوالم مختلفة عن عوالم إبداعه ليضعها بين يديه طازجة كأنما خرجت لتوها من يدي صاحبها الأصلي.
في كلمة حسن حجازي هو ذاك الكاتب الذي يصوغ نصه الإبداعي و كأنه ذاك الخزاف الذي يحول الطين إلى تحف تخلب الألباب و تأسر القلوب.

حسن حجازى ... ولعبة التحولات دراسة عن :( التي في خاطري ) بقلم / إبراهيم محمد حمزة

رؤى نقدية
في :
التي في خاطري



حسن حجازى ... ولعبة التحولات
دراسة عن :( التي في خاطري )
بقلم / إبراهيم محمد حمزة


فى دواوينه السابقة التى أتيح لى مطالعتها – همسات دافئة ، حواء وأنا ، فى انتظار الفجر – يغلب على تجربة حسن حجازى اللون العاطفى ، ربما مال ديوانه " فى انتظار الفجر " إلى موازنة بين الهم العام والهم الخاص من خلال استيعاب أوجاع العصر بجانب أوجاع القلب ، لكن شاعرنا هنا يبدو صريحا فى انحيازه للهم العام ، خاصة أوجاع الوطن ، وهو ما يزيد من صعوبة الأمر بلا شك
فإن كان يلمّح ببراءة طريفة فى قصائده السابقة كقوله
( فلم يجدوا سوى شاعر /
فى أول الصف /
ينتظر دوره /
أمام أحد المخابز المغلقة )

وإن كان فى ديوانه (حواء وانا ) يبدأ صفحاته بقصائد باكية مثل قوله (إيه يا بغداد يا قلب العراق / يا نبض العروبة ، ويارمزا للاجداد ...)
وإن كان قد نثر العطر النزارى الحميم فى أرجاء ديوانه " همسات دافئة " فإنه هنا مخلص لقضية العروبة ، وينتج شعره من هذا الفهم لجدوى الشعر ، فالشعر لدى حسن حجازى رسالة ؛ ومن شروط الرسالة أن تكون شديدة الوضوح ، وهى رؤية لها وجاهتها ، وإن كانت لها مثالبها عند نقادنا القدامى ، وقد أشار الجرجانى فى " أسرار البلاغة إلى أن القارىء يأنس ويفرح إذا استطاع بعد جهد أن يحصل على معنى يستحق الجهد الذى بذله "
لكنه يذم التعقيد إذا كان اللفظ لم يرتب الترتيب الذى بمثله تحدث الدلالة على الغرض ، وقد ذم هذا الجنس لأنه احوجك إلى فكر زائد عن المقدار الذى ينبغى فى مثله "

ولذا فشاعرنا يقدر طبيعة العصر ، خاصة أنه اعتاد الشعر العاطفى ، الذى يسيل رقة وعذوبة ، ولهذا كان الانتقال إلى الشعر السياسى خاضعا لتقاليد تتناسب والعاطفة أكثر ، الوضوح ، البساطة ، المباشرة ، الزخم الموسيقى البالغ ...
نداء :
لمنظمة الأمم
للجامعة العربية
للجان الثورية
للمجالس المحلية
المركزية
ننادى
هل من مجيب ؟
يلجأ شاعرنا للطرح المباشر التلقائى ، غير أنه يطعّم ذلك الطرح المباشر
، بالرمز حينا وبالتضمين احيانا وبالتناص فى أحيان أخرى ، وهذا الرمز يلجأ له شاعرنا بحذر شديد ، بل ويرفق " مذكرة تفسيرية " بإشاراته فى نهاية القصيدة ، إنه المنحى الاجتماعى الطاغى لدى الشاعر ، والذى يدفعه لاستحضار صورة القارىء دائما ، كذلك هو طابع المعلم (المدرس ) الذى يخشى دائما الإنغلاق ، يخشى صعوبة التلقى ، يخشى أن يكون ممن قال عنهم نزار قباني :
شعراء هذا اليوم جنس ثالث
فالقول فوضى والكلام ضباب
ولأن الشعر ليس نية طيبة فحسب ، فقد خرجت للحياة الأدبية – والكلام لصلاح عبد الصبور – نماذج أدبية رديئة كان جديرا بأصحابها أن يكتموها بين أضلاعهم أو فى أدراج مكاتبهم ، ولكن خرجت تلك النماذج إلى الحياة العلنية لكى تملأ الجو الأدبى ضجة بلا صدى ، وأنا – والكلام ما زال لعبد الصبور – أعذر القارىء حين يرى تلك البضاعة الرديئة فينصرف عنها " أقول لكم عن الشعر

وهل منع الوضوح تحميل القصيدة العربية بأقصى اندفاعات السياسة وأتم درجات الوعى ؟
إن الشاعر هنا يسعى للارتقاء بنصه عبر آلية محببة لدى المتلقى ، أعنى السخرية ، والسخرية مع قلب الحقائق هنا تأتى دافعة للتفكير ، مرهصة بغضب آت قريبا ، يقول :
لحكومةِ الكيان
الصديقة الرقيقة
الشريفة العفيفة
صاحبةُ العصمةِ والصولجان ,
المنزهة عن الخطأ
والنسيان ,
صديقة " الفيتو"
المنزهة عن العدوان ,
المدللة في قلبِ أمريكا
المُنعِمة الواهبة
المانحة السابحة
بيان :
يا صاحبةَ العصمة والسلطان
أيتها المترفعة عن الصغائر
الماهرة
في العزف علي الضمائر
الساهرة
الداعية للسلام
سلام ,
الشاعر هنا يبدأ فى الثورة على ذاته ، وعلى لغته ، وعلى اهتماماته السابقة ، وموضوعاته الأثيرة ، ويستجلب لغة أكثر حضورا ( أنادى عبر المحمول / عبر المأمول / من الأمس / لليوم / للغد ) ويصل به الغضب إلى حد التناص المقلوب ( إن كان بك غضب علىّ فلا أبالى )هو بهذا التناص المخيف يعلن أقصى حالات يأسه ، هذا اليأس الممتد من " الدويقة " بقلب القاهرة إلى كافة بقاع وطننا العربى ، وتسهم الأسطورة فى رسم ملامح هذا الغضب اليائس ( يا عدالة السماء :
ألم يكفِّر سيزيف – بعد –
عن كل خطاياه ؟)

إن أحد النقاد الغربيين – جورج نونمشار – يرى فى كتابه دلالات الأثر" أن القدرة الشعرية تكمن فى جعل ذلك الجانب المظلم من الكينونة يفصح عن نفسه "
وإن كنا لا نبرأ النقد حتى يقول عنه عبد المعطى حجازى أن النقد يقف موقفا يبدو كأنه موجود وغير موجود فى آن واحد "
لكن تجربة حسن حجازى فى هذا الديوان – التى فى خاطرى – والذى يؤكد فيه عبقرية استخدامه للتناص بداية من العنوان الملفت ، والمحيل إلى نص شهير ُمغنى " مصر التى فى خاطرى " ثم يواصل تناصه عبر القرآن الكريم فى جهات عديدة متكررة ، كاشفا عن توجه دال على تدين عميق ، وثقافة طيبة ، لكنه يظل قادرا على التغنى بالآنى – الحالى – مهما كانت مباشرته ، ومهما كانت تداخلاته مع سابق مواقفه ، خاصة فى معالجته المتكررة لقضية غزة وفتح الحدود وتاثير ذلك على مصر ، ثم لعبة التنكر لمصر ومواقفها .. إلخ
الخطورة هنا أن يكون الشعر ردا مباشرا – عاطفيا – للضغط الإخبارى الذى نتلقاه عبر إعلامنا ، ثم أنه مرتبط بلحظة معرضة للنسيان ، ولهذا لم يعد الشعر ينتظر الخلود ، إنما قنع الشعراء بمجرد التعبير الصادق عن الذات ..
مصرُ بعدَ اليوم
لا انهزام ,
مصر دوماً
للأمام ,
مصر دوماً
للأمان ,
وكانت عيونهُ
كالصقر
عينٌ على القدسِ
وعينٌ للسماءِ
شاكرة
وأخرى نحو القاهرة
ترنو لأيامٍ قادمة
تبني بلداَ للمحبة
للسلام
أعود للقول إن تجربة شاعرنا فى هذا الديوان ، تحمل تطورا فى الرؤى ، وانخلاعا من الذات إلى خارجها ، وتماسا مع قضايا حاكمة خانقة للمواطن العربى ، ولذا فالديوان القادم ، سيكون أكثر غضبا ، وأشد قربا من الرجل العادى الموجوع بالأسعار والقهر والجهل والفقر ، وفى كل الأحوال ، أنت امام شاعر رسالى ، يسعى بكلمته للناس عبر لغة واصلة وصورة قريبة من الناس ..
فهل هناك أبهى من ذلك ؟!
إبراهيم محمد حمزة
8يوليو 2009م